سيد محمد طنطاوي
349
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي رواية عنه : السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يدخل الجنة برحمة اللَّه - تعالى - ، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم . وفي الحديث الشريف : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » . . وقال آخرون : الظالم لنفسه : هو الكافر . والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة ، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية ، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من طرق يشد بعضها بعضا . ثم أورد الإمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها : ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال في هذه الآية : « هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم في الجنة » . ومعنى قوله « بمنزلة واحدة » أي : في أنهم من هذه الأمة ، وأنهم من أهل الجنة ، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة » « 1 » . وقال الإمام ابن جرير : فإن قال لنا قائل : إن قوله * ( يَدْخُلُونَها ) * إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات ؟ قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل ؟ فإن قال : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد ، وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد . قيل : إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من اللَّه - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن : وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة اللَّه إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا . . . ثم يدخلون الجنة بعد ذلك ، فيكون ممن عمه خبر اللَّه - تعالى - بقوله : * ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ) * « 2 » . وقال الشوكاني : والظالم لنفسه : هو الذي عمل الصغائر . وقد روى هذا القول عن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأبى الدرداء ، وعائشة . وهذا هو الراجح ، لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء ، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور . . . ووجه كونه ظالما لنفسه ، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له ، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات ، لكان لنفسه فيها من الثواب حظا عظيما . . « 3 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 532 . ( 2 ) راجع تفسير ابن جرير ج 22 ص 90 . ( 3 ) تفسير الشوكاني ج 4 ص 349 .